السيد عباس علي الموسوي
259
شرح نهج البلاغة
واللّه مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يعظم أهل الدين ويقرّب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غري غيري . . . إلى آخر الكلمة المتقدمة . فبكى معاوية وقال : رحم اللّه أبا حسن كان واللّه كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار . قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها . . . أقول : هذه صورة علي يحكيها أحد رواده وأصحابه . . . صورة الزاهد العابد الراهب الراغب . . . صورة تشد الإنسان ليعيش مع علي بضع لحظات وهو ينشد يا دنيا إليك عني فالرغبة فيها مفقودة . . . إنه ينحيها عن ناظريه وينعيها بأبلغ بيان . . . إليك عني . . . أبعدي من أمامي وابحثي عمن يحبك ويرغب فيك . . . أنت تتصدين لي وتعترضين سبيلي بما فيك وأنت في شوق إلى أن ترميني بدواهيك ولكن لا كان ذلك الوقت الذي أقع فيه فريسة سائغة بين أيديك . . . هيهات . . . إن ما تطلبينه مني بعيد فأنا أملك حصانة قوية تمنعك من القرب مني ولكن ابحثي عن غيري واخدعيه واستدرجيه إلى أحضانك أما أنا فلا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا بائنا يحرم الرجوع فيه حاكيا شدة كراهته لها ثم بين أسباب كراهيته لها . فعيشك قصير : مدة العمر قليلة ضئيلة فما هي إلا سنوات معدودة مملوءة بالمنغصات والآلام والعذاب . وخطرك يسير : قيمتك في عيني قليلة ضئيلة لا تستحق العناية والاهتمام . وأملك حقير : فما يؤمل منها حقير لا يطلبه ذو همة عالية وهل المال والجاه والسلطان وأمثالها إلا أمور تافهة إن لم تحقق مرضاة اللّه وتنفيذ أمره . آه من قلة الزاد : كلمة تأوه خرجت من عمق القلب العلوي . . . علي في جهاده وإيمانه وكل حياته التي تحولت إلى ساحة واسعة لرضا اللّه كل هذا وهو يقول : إنه قليل الزاد ليوم المعاد . . . نعم إنها نظرة الأولياء والأئمة إلى أرفع درجات الجنة . . . علي يتأوه فلنعد نحن النظر في سلوكنا . . . نحن الذين نعيش الخطايا طيلة نهارنا وليلنا ولا نكف عن المعاصي حتى في أوقات نومنا آه من قلة الزاد وطول الطريق وما أطوله وأشقه إنه يحتاج إلى ترويض لهذه النفس وتعويد على الخير وما أبعده من سفر قد يصل الإنسان